كلامٌ رائع لابن القيم -رحمه الله- :
"وهذا عامٌّ في جميع الخلق؛ امتحن بعضهم ببعض:


فامتحنَ الرُّسُلَ بالمرسَل إليهم، ودعوتهم إلى الحق، والصبر على أذاهم، وتحمُّلِ المشاقّ في تبليغهم رسالاتِ ربِّهم.

وامتحنَ المرسَلَ إليهم بالرسُل؛ وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويُصدّقونهم؟ أم يكفرون بهم، ويرُدّون عليهم، ويقاتلونهم؟

وامتحنَ العلماءَ بالجهّال؛ هل يعلِّمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم، ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك.

وامتحن الجهالَ بالعلماء؛ هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟

وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك.

وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء.

وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء.

والسادة بالأتباع، والأتباع بالسادة.

وامتحن المالكَ بمملوكه، ومملوكَه به.

وامتحن الرجل بامرأته، وامرأته به.

وامتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.

والمؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين.

وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم.


ولذلك كان فقراءُ المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل؛ فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسُل، وقالوا: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ هؤلاء، وقالوا لنوح عليه السلام: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ .

قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ المسكينَ الذليلَ قد سَبَقَهُ إلى الإيمان ومتابعةِ الرسول؛ حَمِىَ وأنِفَ أن يُسْلِمَ فيكون مثله! وقال: أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء؟!

قال الزَّجَّاج : كان الرجلُ الشريفُ ربما أراد الإسلام، فيمتنع منه لئلا يقال: أسلم قبله من هو دونه، فيقيمُ على كفرهِ؛ لئلاّ يكون للمسلم السابقةُ عليه في الفضل.

ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة :

أن الفقير يقول : لِمَ لَمْ أكنْ مثل الغنيّ ؟!

ويقول الضعيف : هلاَّ كنتُ مثل القوي ؟!

ويقول المبتلَى : هلا كنتُ مثل المعافَى ؟!

وقال الكفار : ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ .

قال مُقاتل : نزلت في افتتانِ المشركين بفقراء المهاجرين - نحو بلال، وخبّاب، وصهيب، وأبي ذرٍّ، وابن مسعود، وعمّار - كان كفّارُ قريشٍ يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تَبِعوا محمداً من موالينا وأراذلنا ؟!

قال الله تعالى : ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ۝ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ فأخبر - سبحانه - أنه جزاهم على صبرهم كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ .

قال الزَّجَّاج : أي أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وَجدَ الصابرون ؟!

قلت : قَرَنَ الله - سبحانه - الفتنةَ بالصبر ههنا، وفي قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا فليس لمن قد فُتِن بفتنةٍ دواءٌ مثلُ الصبرِ، فإن صبرَ كانت الفتنةُ مُمَحِّصَةً له، ومُخلِّصة من الذنوب، كما يُخلّصُ الكِيرُ خَبَثَ الذَّهبِ والفِضّة.

فالفتنةُ كيرُ القلوب، ومَحَكّ الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب.

قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ .

فالفتنةُ قَسَمتِ الناس إلى صادقٍ وكاذبٍ، ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيث، فمن صبر عليها؛ كانت رحمةً في حقِّه، ونجا بصبره من فتنةٍ أعظم منها، ومن لم يصبر عليها؛ وقع في فتنةٍ أشّدَّ منها.

فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة كما قال تعالى : ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ۝ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ...

والكافر مفتونٌ بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سألَ المؤمنون ربّهم أنْ لا يجعلهم فتنةً للذين كفروا، كما قال الحُنفاء: ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ۝ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .

قال مجاهد : المعنى لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذابٍ من عندك؛ فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق؛ ما أصابهم هذا.

وقال الزَّجَّاج : معناه : لا تُظهِرهم علينا؛ فيظنّوا أنهم على حقٍّ، فيفتنوا بذلك.

وقال الفرّاء : لا تُظهر علينا الكفارَ؛ فيَرَوْا أنهم على حقٍّ وأنَّا على باطل.

وقال مقاتل : لا تُقتِّر علينا الرزق وتبْسُطه عليهم؛ فيكون ذلك فتنة لهم.

وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر فقال : ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا فقال الله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ .

والمقصود : أن الله - سبحانه - فتن أصحاب الشهواتِ بالصّوَر الجميلة، وفَتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنةٌ للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة؛ نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة؛ سقط فيما هو شرّ منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصوح، وإلا فبسبيل من هلَكَ، ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم -« مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ » [رواه البخاري وسلم] أو كما قال.

فالعبدُ في هذه الدار مفتونٌ بشهواته، ونفسه الأمّارة، وشيطانه المغوِي المزين، وقرنائه، وما يراه، ويشاهده، مما يَعجِزُ صبرُهُ عنه، ويتفقُ مع ذلك ضعفُ الإيمان واليقين، وضعف القلب، ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العِوض مؤجّلاً في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به:

فوالله لولا الله يُسعِد عبده ...,. بتوفيقه والله بالعبد أرحمُ

لما ثَبَتَ الأيمان يوماً بقلبه ... على هذه العلاّت والأمرُ أعظمُ

ولا طاوعته النفس في ترك شهوةٍ ... مخافةَ نارٍ جمرُها يتضرَّم

ولا خافَ يوماً من مقام إلهه .. عليه بحكمٍ القِسطِ إذ ليسَ يُظلم "








من كتاب
"إغاثة اللهفان" ( 2 / 881 )







تأمل في غرفتك .. في كل الأشياء التي حولك .. سريرك .. ملابسك .. أغراضك .. واستشعر أنها كلها من الله .. كلها ربي منحك إياها .. المال الذي يأتيك ومال أهلك .. ربي أعطاك إياه كرماً منه .. أنظر إلى جسمك .. إلى وجهك .. ربي الذي خلقك وعافاك .. فضلاً منه لا استحقاقاً منك .. تأمل الملذات التي تعيشها .. وتأمل أيضاً قلبك .. عقيدتك .. اصطفاؤه لك .. وتدبيره لحياتك واختياره الأصلح لك ..





(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً )


أي: عمّكم وغمركم نعمه الظاهرة والباطنة التي نعلم بها; والتي تخفى علينا، نعم الدنيا، ونعم الدين،
حصول المنافع، ودفع المضار، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم; بمحبة المنعم والخضوع له;
وصرفها في الاستعانة على طاعته، وأن لا يستعان بشيء منها على معصيته।*


وفقني ربي وإياكم لحمده وشكره ..
بثينة


* تفسير السعدي



( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ )
آل عمران 173 – 174




"فزادهم إيماناً "...! "وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" ... بعيداً عن مقاييس الدنيا كلها ..
" فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء .. واتبعوا رضوان الله .."

يا لذة الإيمان .. يا لطمأنينة الإيمان .. ويا لهنائه !


في فتن القلوب والشكوك .. ومع وساوس الشيطان وتخويفه من الدنيا والقدر .. في تربّصه بيقين الإنسان وتوكله .. لا يثبت المؤمن فقط بل عندما يعود ويفكر .. ويدعو ربه بإلحاح يزداد إيماناً وتعلقاً وتوكلاً بربه الرحيم اللطيف ..



وفي دعة الدنيا وتبسّمها .. يستأنس المرء بطيب الحياة الإيمانية .. ويجد فعلاً أنها الحياة الحقيقة ..


الإيمان .. عيشة الدنيا الهنيّة .. روضة الروح النديّة ..
الإيمان .. المطلب الغالي النفيس .. الذي إن تلمسته فليس معنى ذلك أنك "التقطته" .. فذلك أبداً لا يكون ..!
بل هو الذي يزورك ويستوطن قلبك عندما تستحق ذلك ، ويهاجر عنك إن قصرت أنت في طلبه ..


يارب حقق إيماننا وارفع درجاتنا .. ونجّنا من الفتن وتوفنا وأنتَ راضٍ عنا ..


2011-01-15

..






تتغيّر الدنيا وتتقلب .. يموت أناسٌ ويولد غيرهم .. تعيش ببيتٍ ثم تأخذك الدنيا لآخر .. تنشغل بأعمال واهتمامات ثم تتغير تماماً .. الأرزاق تتحول .. الذين نخالطهم يتغيرون .. حتى ما نكره ونحب يتغير ...
تتغير وتشغلنا بكل أحوال تغيراتها .. وتمضي الدقائق مسرعةً كل يوم .. لتعلن جرسها في نهاية اليوم عن انتهائه .. ونحن في غمرةٍ ساهون .. نظن أننا حين ننشغل بالدنيا .. أننا محقون !

"مأساة الحياة ليست في ألا تحقق هدفك، ولكن في ألا يكون لك هدف على الإطلاق. "




**




يانفس لاتثقي تمام الثقة بأحد .. حتى نفسك ..
ثقي بالله فقط فهو الكامل المستحق ، لا تتغير صفاته ولا ينقضي كرمه وعطاؤه .. هو الرحيم القريب الحي القيوم ..
أما نحن فخطاؤون يوماً نعمل الصواب ويوماً الخطأ .. يوماً نحنوا ويوماً نقسوا .. يوماً نخشى ونتقي ويوماً نأمن وننسى ....


-


إذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" و إبراهيم عليه السلام الذي هدم الأصنام يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ..
ومع قمة ضعفنا المتراكم نثق بأنفسنا وننسى أن نردد .. يارب إن وكلتني إلى نفسي فقد وكلتني على ضعفٍ وضَيعة !




**


{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}





"وهذه الآية الكريمة جاءت في ختام سورة العنكبوت، والتي افتتحت بقوله تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3].

وكأن ختام سورة العنكبوت بهذه القاعدة القرآنية: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} هو جواب عن التساؤل الذي قد يطرحه المؤمن ـ وهو يقرأ صدر سورة العنكبوت التي ذكرنا مطلعها آنفاً ـ تلك الكلمات العظيمة ـ التي تقرر حقيقة شرعية وسنة إلهية ـ في طريق الدعوة إلى الله تعالى، وذلك السؤال هو: ما المخرج من تلك الفتن التي حدثتنا عنها أول سورة العنكبوت؟! فيأتي الجواب في آخر السورة، في هذه القاعدة القرآنية المحكمة: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فلا بد من الجهاد ـ بمعناه العام ـ ولا بد من الإخلاص، عندها تأتي الهداية، ويتحقق التوفيق بإذن الله." **


كونوا بخير .. وجاهدوا أنفسكم لذلك !
بثينة

-----------------
* (د.بنيامين مايز)
** (د.عمر المقبل )






ما أعظم القلب !
المضغة التي بين جوانحنا .. ولكنها بقبضة ربنا جل جلاله .. يصرّفها كيف شاء .. بين إصبعين من أصابع الرحمن .. الجبار ! القاهر !
يا للضعف والكبر .. يا للغفلة والأمن ...
{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏
"وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان‏.‏
بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله‏:‏ ‏{‏يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك‏}‏ وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد ـ ولو بلغت به الحال ما بلغت ـ فليس على يقين من السلامة‏.‏"*


"إن ذلك خبر من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم , وإنه يحول بينهم وبينها إذا شاء , حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر , أو أن يعي به شيئا , أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته . وذلك أن الحول بين الشيء والشيء إنما هو الحجز بينهما , وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه , لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل "**


فيارب افتح على قلوبنا .. واهدنا ثم اهدنا ثم اهدنا ..
يارب أزل عنها الدخَن .. واقبضنا وقلوبنا لك مقبلة ..

بثين
*تفسير السعدي
**تفسير الطبري



تحت أفيائه .. وظلّه الظليل ..




ياقسوة الحياة من غير الكتاب العظيم .. كلام الله جل جلاله ..

هل تفكرنا يوماً !

كلام الله .. [ الله ] ..!

نتناقل أخبار كتبٍ جميلة .. مبدوءة باسم المؤلف وسيرته ..

لكن هذا القرآن كلام الله جل جلاله .. خالق البيان والعقول .. ومنشئ الأكوان العلي القدير .. أنزله لنا .. رحمةً بنا ..
أنزله .. "ليدبروا آياته" .. أنزله "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" ..
أنزله لنا فرقاناً ونوراً .. هو من هدايا الرب العظيمة لقلوبنا وحتى أجسادنا "شفاء ورحمة للمؤمنين" ..
فمن عاش في كنفه سرت الحياة في عروقه .. وأحس بروحه تسمو ..
وأما من نسيه فهو الميت الذي حرم تربته الماء .. وأخذ يمشي في هجير قفار الحياة .. بلا ماءٍ أو دليلٍ ..

القرآن .. كلام الله .. إن كنا نحب الله فسنحب كلامه .. وسنحترمه .. وسنتأمل به .. لأنه كلام محبوبنا ..

نحن بشر عاديون لم يأتنا وحيٌ ولم يأتنا ناموسٌ منه سبحانه .. لكن وصلنا كلامه جل جلاله بفضل منه ولم يجعله مخصوصاً لنبي أو ولي ..
محفوظٌ لم يتغير "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" ..
ونستطيع أن نقرأه متى شئنا .. ويسر لنا الرب قراءته وحفظه "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" ..
نِعمٌ تترى منه .. لأنه بنا رحيم .. لأنه يحب عباده .. ويريد لهم أن يسعدوا بطريقه المستقيم مع أنه غني عنهم سبحانه ..
وللحياة في ظلال القرآن سعادةٌ من رب السعادة .. وهدىً من مالك الهدى والحكمة ..


"وعشت أتأمل في ظلال القرآن، ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود، لغاية الوجود كله، وغاية الوجود الإنساني، وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية في شرق وغرب، وفي شمال وجنوب، وأسال: كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن وفي الدرك الهابط، وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتع الزكي وذلك المرتقى العالي وذلك النور الوضيء؟!

وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله، ثم أنظر فأرى التخبط الذي تعاني منه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية، والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملى عليها، وبين فطرتها التي فطرها الله عليها، وأقول في نفسي: أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم ؟" * سيد قطب ..


هيا بنا نتأمل في آياته .. وننقل لبعضنا ما تفيَّأنا ظلاله .. ونكون إخوةً في الخير : )

* في "التعليقات" أنتظر إضافاتكم المثرية ..

بثين




"وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ".

قال الشيخ السعدي رحمه الله : ( ودلت هذه الآية، على أنه لا يستدل على الحق، بكثرة أهله،
ولا يدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير حق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل الحق
هم الأقلون عددا، الأعظمون -عند الله- قدرا وأجرا، بل الواجب أن يستدل على الحق والباطل،
بالطرق الموصلة إليه ) .

قال ابن القيم :
( فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق , و لا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول ,
الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولائك رفيقاً ) .

2009-05-30

مطر !






قدراته الجليلة تتجلّى ، واتصال الأرض الفطرية بالسماء وضعفنا البشري وجمال الرب الباهر ،
كلّ ذلك في حبة “مطر” ،
تتجمع ملايين الأطنان بقدرته فينشئ ( السحاب الثقال ) الذي لا يعلم ثقلها إلا هو !
ثم تتساقط برحمته وبجمال ودقة قطرةً .. قطرة ..
فتسقي الأرض فتنتعش ..
وتسقى القلوب بوابل الطمأنينة والحب ..

×

حتى البرق يعلمنا الكثير ..
{ هو الذي يريكم البرق خوفاً و طمَعاً و ينشئ السحاب الثقال }
خوفاً أن تتأذَوا أو أن ينبئكم البرق بصاعقة .. و طمعاً في الخير و المطر ..
ولن تستقيم دنيانا إلا بميزان الخوف و الرجاء ..
إذا رأينا النعم .. نطمع بكثرتها و نخشى ألا نؤدي حقها .. فنُهرول لنشكر الله عليها ..
و إذا أعجبتنا نفوسنا و أعمالنا رجونا الله المزيد و نخشى على قلوبنا الآفات ..
كل شيءٍ من الممكن أن يكونَ منحةً أو محنة .. فلا نأمنْ شيئاً .. ،



{ نَفَس الخـــــوف ، ومصدره : مطالعة الوعيد ، وما أعد الله لمن آثر الدنياعلى الآخرة .
والمخلوق على الخالق ، والـــهوى على الهدى ، والغي على الرشاد .
و نفَس الرجــــاء ، ومصدره : مطالعة الوعد ، وحسن الظن بالرب تعالى . وما أعد الله
لمن آثر الله ورسوله ، والدار الآخرة ، وحكم الهدى على الهوى ، والـوحي على الآراء،
والسـنة على البدعة ، وماكان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على عوائد
الخلق .
ونفَس المحبة ، مصدره : مطالعة الأسماء والصفات ، ومشاهدة النعماء والآلاء . فالنفس
الصـــــــادر عن هذه الملاحظة والطالعة : أشرف أنفاس العبدعلى الإطلاق . فأين نفَـــس
المشــتاق المحب الصــادق إلى نفَـــــــسالخائف الراجي ؟
ولكن لا يحصل له هذا النفس إلا بتحصيل ذينك النفسين ، فإن أحدهماثمرة ترك المخالفات .
والثاني : ثمرة فعله للطاعات . فمن هذين النفسين يصل إلى النفس الثالث . }
* تهذيب مدارج السالكين .



أذاقنا الله وإياكم مطر حبه ورحمته ورضاه ..


بثين
أبريل 14, 2009





( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ ) 24 الحج
وسمّاهُ هنا طيّب القول .. فمن جزائه لعباده المؤمنين أن يلهمهم الحمد ..
في الدنيا بالشهادة الخالصة و اللهج بالحمد له .. و في الآخرة ..
يقولون الحمدلله الذي هدانا لهذا .. الحمدلله الذي أذهب عنا الحزن ..
ويلهمون التسبيح و التحميد كما نلهم النفس !





×

حمدًا إلهي وشكرًا ..أنت يامعبود يا من جلَّ قدرًا..
لك الحمد طوعًا .. لك الحمد فرضاً..
وثيقًا .. عميقًا .. سماءً .. وأرضاً ..

×




لأننا لم نجرّب الجاهلية المحضة فإننا لا نشعر بالنعمة الجليّة ..
الحمدلله على نعمته الروحيّــــة ، على وجوده الحي في فطرتناو قلوبنا والذي يتناغم وتسبيحات الكون لينشئ راحةً عظمى ..
الحمدلله لأنه أنزل نظاماُ للحياة بتفاصيلها فكنا بعزة وعدل و رحمة ..
الحمدلله على تكريمه لنا ..
الحمدلله .. على وجوده ..




بثين
مارس 9, 2009





{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم }
عن عبدالله بن مسعود أنه سئل عن هذه الآية ..
فقال : أما إنا قد سألنا عن ذلك ، فأخبرنا أن أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ،
وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ، فاطلع إليهم ربك اطلاعة ، فقال : هل تستزيدون شيئا فأزيدكم ؟
قالوا : ربنا ، وما نستزيد ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا ، ثم اطلع عليهم الثانية ،
فقال : هل تستزيدون شيئا فأزيدكم ؟ فلما رأوا أنهم لا يتركون ،
قالوا : تعيد أرواحنا في أجسادنا حتى نرجع إلى الدنيا ، فنقتل في سبيلك مرة أخرى !


×

هذي دماءُ الصبر
لن تمضي سُدىً
بل سوف تنبت تحت أعراش العنبْ .. ! *

×





{ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }

ليعلمَ صبر المؤمنين .. العلم الذي يقع عليه الجزاء ..و يتخذ منكم شهداء ..
و أيّ كرامةٍ و أيّ اصطفاءٍ أعظم من هذا ؟
الشهيد .. سمي شهيداً لأنهُ مشهودٌ له بالجنة .. وقيل لأنه شاهدٌ حاضرٌ للجنة ..
هنيئاً لهم .. هنيئاً لهم أنِ اشتروا .. ” إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ “ !
هنيئاً لهم الفوز العظيم .. ” يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم .
تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسكُمْ ” إِلَى قَوْله : ” ذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم “

هنيئاً لهم .. هنيئاً لهم .. أمنوا فتنة القبر !
رَجُلٌ سأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ :
يَا رَسُول اللَّه , مَا بَال الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورهمْ إِلَّا الشَّهِيد ؟
قَالَ : ( كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوف عَلَى رَأْسه فِتْنَة ) !

فهنيئاً .. لمن اصطفاهُ الله للجنّة و الشهادة ..


×

تواعدنا لكي نمضي .. لقد عفنا الذي كنَّا
كرهنا الواقع المخزي .. أنِفنا أننا عِشنا
على الحِرمان نمضغه .. بلا حولٍ ويطحننا
على الذكرى كحدِّ السيف .. تغشانا فتذبحنا
تواعدنا سنمضي نحوَ .. رحلتنا ولن نضجر
لنكسر باب غربتنا .. فيشرق صبحنا الأنور
يُسابق زحفنا أمل .. كمثل ربيعنا أزهر
بأن الحق يُرجعه .. زناد غاضب يزأرْ ْ *


×

قوافل الشهداء في غزة مضت بإذن الله للجنان .. مضت إلى النعيم و الخلد و الحور ..
مضت لتشفع لأهلها ..
مضت وقد أمنـــت الفتنة و استقرّت في أعلى مرتبة تشتاقها قلوب المحبين .. مضت ..
ونحنُ من بقينا بين أوحال دنيانا الدنيّة !


بثين ..
يناير 2, 2009






و تظللنا الدنيا .. نغفو تحت أيكها حيناً و تحت هجيرها حيناً آخر ..


،
الحياة الدنيا ..


- { كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّار نَبَاته ثُمَّ يَهِيج فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُون حُطَامًا .. } الحديد -20

كفرحة الناس بالغيث بعد القنوط .. و الزرع الذي نبت من هذا الغيث .. بكامل رونقه و زهوّه .
.منتعشاً سعيداً بالمطر .. ثمّ لا يلبث أن تتبدل الفصول و ينقضي المطر .. فيصبح مصفراً .. يابساً ..
بعد الخضرة و الجمال ..و هكذا هي الحياة الدنيا .. شبابٌ و فتوّة ثم يكتهل المرء فيبدأ بالضعف و العجز بعد العنفوان و البهاء ..
~ و ” مَوْضِع سَوْط فِي الْجَنَّة خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ” ..!

،

- { كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ } الكهف -45

كالماء الذي سقانا الله إياه .. حتى اختلط بالنبات و كثُر بالمطر .. ثمّ تغيّر حاله و أصبح هشيماً متكسراً مناليبس .. لانقطاع الماء عنه .. فيكون مفتتاً فتطيّره الرياح و تفرّقه ..
وهكذا هي دنيانا .. كالماء لا يستقر في موضع و لا على حاله .. إذا جاوز الماء مقداره كما في الفيضانات مثلاً فإنه هلاك !
و كذلك الدنيا .. الكفاف منها ينفع و فضولها يضر ..

~ هل نكون كصاحب الجنة إذ قال .. { مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا } ؟ و نتركُ الباقي الموعود ..؟



×
كتاب الله مؤنسنا بعصرٍ ..
تجرعنا بكفيه الوبالا
إذا ازدحمت مواجعنا و سالت ..
مبادئنا مع الوحل ابتذال
اففي القرآن ما يحيي نفوساً ..
غفت في مفرش اللهو اتكالاً
×


خلق الله كوننا .. و أنشأ حياتنا بكل تفاصيلها .. و أبدع لنا تفاصيل المجرة التي تحيط بنا ..
بدءاً من أصغر ذرة و قطرة دم و كرياتٍ حمراء و جزيئات هواء .. إلى أكبر مظلّةٍ يمكن أن نراها ..
بزينتها و تقلّب ليلها و نهارها .. لتعمّق في النفس وحدانية الخالق و عظمته و “جماله ” ..
و حتى ما لا نراه .. خلق ربنا فطرتنا .. و هيّأنا للتفكير و التأمل و الاستنباط ..
و هدانا النجدين .. و هيّأ لنا طريق معرفته ليجذبنا لمعرفته و عبادته .. و نعيمِه !
و من جملةِ هداياه لنا أن عرّف لنا ” الحياة الدنيا ” ..


.. هنا ندفٌ و غيمٌ أبيض .. يظلل قلوبنا و يملؤها حباً لخالقٍ رحيم لطيف بعبده الضعيف ..
أن هذه ” الدنيا ” من خلقي كما كل شيء .. و أنا أعلم بها منك .. فانتبه .. “و لا تغرك الحياةُ الدنيا” ..

×

{ قد استأنست بالقرآن حتى ..
رأيت سواه يلبسني خبالاً
من استغنى و في كفيه بدرٌ
أيطلب في دجى الليل الهلالا
و من بذرى الجبال بنى علاه
أينزل عنه كي يبني الرمالا ؟
أرى فتناً كقطع الليل تعمي
قلوب السائرين لها ضلالا
سأحمي النفس من داعي هواها
تقول نعم نعم فأقول لا لا
سألجمها و أحكمها بعصرٍ
تطاول بالمفاتن و استطالا
سألبس من كتاب الله درعاً
إذا فتن الزمان غدت نبالا
و أوقد من مشاعلهِ طريقي
إذا امتد الظلام به و طالا
رويت بما علمت و كل علم
خلا منه الكتاب أراه ءالى ..! *


×

بثين
نوفمبر 24, 2008